الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

307

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

حتى يتصدى التأويل حسبما عرفت تفصيل القول فيه وجعل الأمر في مقام للامتحان مع التزام التجوز والخروج عن حقيقة التكليف بالفعل بإرادة التكليف بمقدماته أو بعدم إرادة التكليف أصلا من غير أن يعلم إبراهيم عليه السلام بحقيقة الحال ليتعقل حصول الامتحان مع ما عرفت من ضعفه قاض بحصول الجهل المركب لإبراهيم عليه السلام وهو لا يناسب منصب النبوة سيما بالنسبة إلى الأحكام الشرعية قوله بل للعزم على الفعل والانقياد إليه إلى آخره لا يخفى أنه بناء على المنع من تعلق الأمر بالفعل مع علم الآمر بامتناعه لا بد إما من القول بعدم جواز صدور الأوامر الامتحانية كما قد يؤمر إليه قوله ولو سلم إلى آخره وهو في غاية البعد بل واضح الفساد كما عرفت وإما التوجيه في مادة الأمر بإرجاعه إلى إرادة مقدمات الفعل أو بالتجوز في هيئته بإرادة صورة الطلب منه من غير أن يكون هناك طلب على سبيل الحقيقة وكلا الوجهين لا يتم على القول بعدم جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إما مطلقا أو فيما له ظاهر فإنه إن بين ذلك للمخاطب في حال الخطاب لم يتفرع عليه ما هو المقصود من الامتحان وإن لم يبين ذلك لزم المفسدة المذكورة ومع الغض عن ذلك فلا يخفى في التوجيهين المذكورين من البعد والخروج عن الظاهر وما اختاره المصنف من الوجه الأول إذ استعمال الفعل في العزم عليه والإتيان بمقدماته في غاية البعد بل ربما يقال بكونه خطا خاليا عن العلامة المعتبرة في المجاز على ما هو المتداول في الاستعمالات مضافا إلى خروجه عما هو ملحوظ المستعمل في مقام الامتحان وحصول مقصوده من الأمر المفروض بالعزم على الفعل والتهيؤ له والإعراض عنه والتهاون فيه لا يفيد كون اللفظ مستعملا في ذلك كما لا يخفى على أنه قد يكون الاختيار بإتيانه بنفس الفعل كما إذا لم يكن الأمر مريدا لوقوع الفعل في نفسه لكن يأمر العبد به لاختياره من غير أن يمنعه من الفعل إلى أن يأتي به وبالجملة أن الاختيار كما يقع بما يريد الأمر عدم حصوله في الخارج كذا يقع بما يتساوى عنده الوقوع وعدمه والفرق بينهما أنه يجب عليه في الأول إعلام العبد قبل إيقاع الفعل إلا مع عدم تمكنه من الإتيان به بخلاف الثاني إذ لا يجب عليه الإعلام مطلقا لانتفاء المفسدة في أداء الفعل وعدم لزوم قبح عقلي ولو من جهة الإغراء بالجهل ولو كان ذلك خارجا عن حقيقة التكليف لكان الإعلام واجبا لامتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة عندهم حسب ما حكي الإجماع عليه قوله وأما ما ذكره في المثال وإنما يحسن إلى آخره هذا يفيد تسليمه تعلق الأمر في صورة إرادة الامتحان بنفس الفعل وظاهره يومي إلى كون الأمر حقيقيا فإنه الذي أراده المستدل فتسليم حسنه والجواب بعدم جريانه في أوامره تعالى ظاهر في ذلك فملخص جوابه عن الاستدلال بالمنع من جريان الامتحان في أوامره تعالى وبعد تسليمه فالمأمور به في الحقيقة إنما هو العزم عن الفعل والانقياد إليه لعلمه تعالى بامتناع الفعل وأما ما ذكر من المثال من تعلق الأمر حينئذ بنفس الفعل فإنما يجري في غير أوامره تعالى لاستحالة الوجه المذكور بالنسبة إليه تعالى وأنت خبير بما فيه فإنه وإن لم يعقل التوصل بذلك إلى تحصيل العلم بالنسبة إليه تعالى إلا أنه يمكن أن يكون ذلك لمصالح أخر كإظهار حاله على غيره وإقامة الحجة عليه حسب ما مرت الإشارة إليه هذا وقد يتفرع على المسألة المذكورة أمور منها ما لو كان المأمور جاهلا بانتفاء الشرط إلى أن أدى الفعل وكان الآمر عالما به كما لو اتفق بحيض المرأة في نهار الصوم من غير أن يعلم به إلى أن يغيب الشمس فإنه بناء على جواز الأمر بالشيء مع علم الآمر بانتفاء شرطه ينبغي القول بصحة العمل بخلاف ما لو قيل بالمنع منه قلت وعلى هذا تبين أيضا ما في ثبوت الكفارة عليها لو تناولت المفطر لإفطارها الصوم المأمور به وفيه أن المفروض انتفاء شرط الصحة حينئذ بحسب الواقع فكيف يعقل معه الحكم بصحة الفعل الواقع منه مع عدم مطابقة المأمور به وغاية ما يلزم من القول بالجواز في المقام هو كون الفعل المستجمع للشرائط مأمورا به واقعا مع علم الآمر بعدم حصول شرطه وكون المستجمع مأمورا به لا يقضي بصحة غير المستجمع حتى يتفرع عليه ما ذكر وكذا القول بثبوت الكفارة حينئذ فإن المفروض ثبوتها بتعمد الإفطار وهو فرع التلبس بالصوم قبله وقد تبين انتفاؤه فكيف يقال بثبوت الكفارة الواجبة من جهة تعمد إفطار الصوم نعم لو قرر النزاع في المقام في جواز الأمر بالشيء الذي انتفي عنه الشرط إذا علم الآمر بانتفاء جهل المأمور بذلك حتى يكون غير المستجمع بحسب الواقع مع جهل المأمور به مأمورا صح التفريع المذكور وهو فرع جليل إذ قضية الحكم إذن لصحة جميع الأفعال الفاقدة المشروط مع جهل المأمور بالحال إذا تبين الحال فيها بعد ذلك إلا إذا قام الدليل على خلافه وهو أصل نافع جدّا إلا أن ذلك مما لا ربط له بالمسألة المعنونة في المقام كيف وجوز الآمر به على نحو المذكور مما لا مجال لإنكاره إذ غاية الأمر حينئذ أن يكون الشروط المعتبرة في الفعل شروطا علمية لا واقعية وأيضا مجرد جواز وقوع التكليف على النحو المذكور لا يكفي في تفريع المذكور بل لا بد من القول بوقوع التكليف على ذلك الوجه حتى يمكن أن يفرع ذلك وأيضا لا يجري ذلك بالنسبة إلى الشرائط العقلية كالقدرة على الفعل من تمثيلاتهم في المقام صريحة في اندراجها في المسألة ولا يوافق ما ذكر والحاصل أن كلامهم في هذه المسألة صريحة في خلاف ذلك فلا يمكن تنزيل الخلاف عليه فلا وجه للتفريع المذكور أصلا وغاية ما يتفرع عليه بملاحظة ذلك حصول انفصال المخالفة نظرا إلى حصول الأمر مع انتفاء الشرط حسب ما مرت الإشارة إليه ومنها ما لو أدرك أول وقت الفعل ثم طراه مانع من حيض ونحوه قبل انقضاء مدة يسع الفعل فإنه يجب عليه القضاء بناء على جواز الأمر كذلك بخلاف ما لو قيل بالمنع منه إذ لا أمر حينئذ بالفعل حتى يتحقق معه صدق الفوات وفيه أنه لو قيل بكون القضاء تابعا للأداء فربما أمكن تصحيح الكلام إلا أنه مذهب ضعيف اتفق المحققون على فساده وأما على القول بكونه عن أمر جديد كما هو المختار عند الجمهور فهو إنما يتبع ورود الأمر من غير فرق في ذلك بين القولين وليست تسمية قضاء مبنية على وجوب الأداء كما هو ظاهر ومعلوم من ملاحظة قضاء الحائض وغيره للصوم ومنها انتفاء التيمم بوجدان الماء إذا لم يتمكن من استعماله بعد وجدانه لعدم اتساع زمانه أو لغير ذلك فإذا قلنا بكونه مأمورا بالمائية إذا لم يعلم ولا بعدم تمكنه من الاستعمال حكم بانتفاء التيمم ولا حكم ببقائه وقد يقال بالانتفاء من جهة إطلاق النصوص وإن لم نقل بجواز الأمر على الوجه المفروض ومنها لو ملك قدر الاستطاعة وقت مضي الرفقة فتعمد التخلف عنهم ثم مات وتلف ماله قبل زمان الحج ومنعه مانع عن المضي إلى الحج في العام الأول بعد حصول الاستطاعة فإنه على القول بجواز الأمر مع العلم بانتفاء الشرط يتعين عليه أداء الحج بعد ذلك والقضاء عنه بخلاف ما لو قيل بالمنع من ذلك يشكل ذلك بالمنع من كون مجرد تعلق الأمر أولا قاضيا باستقرار الحج في الذمة بعد انكشاف انتفاء الاستطاعة ومنها